محمد جمال الدين القاسمي
298
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فهذا طريق قد يذكره المحتجّ المحقّ مع المبطل المصرّ في آخر كلامه . ومن قائل بالثاني ، أعني أنه محاجة ، وفي كيفية الاستدلال منها ما ذكره أبو مسلم الأصفهانيّ ، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليه ، والإقرار بأنه كان محقّا في قوله ، صادقا في دينه . فأمر اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 123 ] ، ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى اللّه عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 79 ] ، فقول محمد صلّى اللّه عليه وسلم : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ كقول إبراهيم عليه السلام : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أي أعرضت عن كل معبود سوى اللّه تعالى ، وقصدته بالعبادة ، وأخلصت له . فتقدير الآية كأنه تعالى قال : فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل أنا مستمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأن طريقته حقة ، بعيدة عن كل شبهة وتهمة . فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات ، وداخلا تحت قوله : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] ، - نقله الرازيّ - وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أي الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب أَ أَسْلَمْتُمْ لهذه الآيات كما أسلمت ، أم أنتم بعد على الكفر . قال الزمخشريّ : يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ، ويقتضي حصوله لا محالة ، فهل أسلمتم ، أم أنتم بعد على كفركم ؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ، ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته : هل فهمتها ؟ ومنه قوله عزّ وعلا : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] . بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر . وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق ، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسدادا بينه وبين الإذعان . وكذلك في ( هل فهمتها ) توبيخ بالبلادة وكلّة القريحة ، وفي فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهيّ عنه . انتهى . فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا أي خرجوا من الضلال فنفعوا أنفسهم وَإِنْ تَوَلَّوْا عن هداك وهديك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي تبليغ آيات اللّه ، لا الإكراه إذا عاندوك ، إذ ليس عليك هداهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعد ووعيد . قال ابن كثير : وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات اللّه وسلامه عليه إلى جميع الخلق ، كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث . فمن ذلك قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي